جيرار جهامي ، سميح دغيم
542
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
كما يعبّر عنه بعضهم الاستسلام للواقع . فهذه النظرة تجعلنا نطأطئ الرؤوس أمام الأحداث ، لأن جهلنا بأسبابها ونتائجها يؤدّي بنا إلى أن نحني لثقلها ظهورنا ، فإذا ما وضعتها عن ظهورنا يد الموت ألقتها على كاهل الأجيال من بعدنا . أما نظرتنا الثانية إليه فإنها بدلا من أن تلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نحدّد إزاءها مسؤولياتنا . فبقدر ما ندرك أسبابها ونقيسها بالمقياس الصحيح ، نرى فيها منبّهات لإرادتنا وموجّهات لنشاطنا ، وبقدر ما نكتشف من أسرارها نسيطر عليها بدلا من أن تسيطر علينا ، فنوجّهها نحن ولا توجّهنا هي ، لأننا حينئذ نعلم أن الأسباب التاريخية كلها تصدر عن سلوكنا وتنبع من أنفسنا ، من مواقفنا حيال الأشياء ، أعني من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييرا يحدّد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية ، كما رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ( آل عمران ، 3 / 110 ) . ( ابن نبي ، تأملات ، 130 ، 1 ) . - إن التاريخ معاد معنوي . من هنا كان الرجوع إلى الماضي لا يجبرنا على التقيّد بحرفه . غاية هذا الرجوع أن نتحكّم في الحاضر لنكون أسياد المستقبل . إن التاريخ تطوّر خلّاق . من أجل هذا وجبت العودة إلى دفاتر ماضياته بغية إنارة دروبنا نحو آتياته . إن بنوّتنا للتاريخ هي في سبيل أبوّتنا له . ( كمال الحاج ، فلسفة اللغة ، 16 ، 20 ) . - التاريخ يعلو ولا يعلاه . لا أعني بالتاريخ ، هنا ، الحوادث السياسية الرتيبة ، التي جعلناها خطأ محور كل المواضي الغابرة . أعني بالتاريخ سماكات عضوية يكوّنها ارتباط الإنسان بالأرض وبأخيه الإنسان في حدود هذه الأرض نفسها . هكذا تاريخ هو مزاج اثني يتولّد عند الشعب على كرّ الأجيال ويهيّئه لتطلّعات مستقبلية أيضا . مثل هذا التاريخ ، قلت ، يعلو ولا يعلاه . إنه شبيه بالقضاء والقدر . ( كمال الحاج ، الفلسفة اللبنانية ، 88 ، 1 ) . - التاريخ غير « الحاضر الأبدي » تماما ؛ التاريخ شيء تراكمي تواصلي ؛ الماضي يبقى وبالتالي يحيا في الحاضر ، والحاضر نزوع حيّ قائم ، وخلق لما يسمّى المستقبل . إن الذي يبقى من تراكمية التاريخ وتواصليته هو الحياة ، وأهمّ شيء في هذه الحياة ، كي تستحقّ صفة « الحياة » ، أي كي لا تكون مرادفا للموت ، هو تفاعل الفكر الحرّ ، النابض بالحركة والاستيعاب والخلق . الحي الباقي في التاريخ هو تراكمية الفكر الحي . والفكر آخر الأمر هو من فكّر ونطق ودوّن ، وربط اسمه إلى الأبد بما رأى وخبر وأخبر . ( شارل مالك ، المقدمة ، 431 ، 13 ) . * في الفكر النقدي - إن التاريخ لا تصنعه فقط - أو تحرّكه - الأحداث المادية الواقعية التي جرت بالفعل ، وإنما تصنعه أيضا الخيالات والأحلام والأوهام التي تصاحب هذه الأحداث عادة أو تسبقها أو تأتي بعدها . إن الأسطورة هي إحدى محرّكات التاريخ ، تماما كالصراع الطبقي أو كالعامل